الثلاثاء، 30 يونيو، 2015

مجلة كراسات تربوية/السيناريو البيداغوجي، آلية جديدة لبناء التعلمات.التكو...

الأربعاء، 18 أغسطس، 2010

أهمية وسائل الإتصال والمعلومات في العملية التعليمية

تقديـم
لايخفى على الذين استأنسوا بوسائل الاتصال والمعلومات أهمية هذه الوسائل في مجال التربية والتعليم. إنها تساعد المتعلم، كيفما كان مستواه، على الحصول على المعرفة وعلى تدبيرها وعلى إنتاجها، إذا توفرت له الشروط الكفيلة بذلك. ويتضمن المقال التالي نقطتين أساسيتين:
أولا: أهمية الوسائل التكنولوجية في عملية التعلم
أثار انتباهي مقال يلخص نتائج مجموعة من التجارب أجريت بالولايات المتحدة خلال التسعينات حول دور التكنولوجيا في المجال التربوي. أذهلتني هذه الأبحاث، وكذلك النتائج المحصل عليها. وسأتعرض في هذه النقطة لخلاصات نتائج هذه الأبحاث.
ثانيا: ضرورة استئناس المدرس بوسائل الاتصال والمعلومات
بالنسبة لهذه النقطة الثانية، أي ضرورة استئناس المدرس بوسائل الاتصال والمعلومات، فقد فاجأتني عناوين بعض المقالات حول دور مدرس الاجتماعيات، مثل هل ستزول مهنة أستاذ الجغرافيا؟- هل سينتفي أستاذ الجغرافيا؟
أولا: أهمية الوسائل التكنولوجية في عملية التعلم
إن التقنيات الحديثة في مجال المعلوميات والاتصال، تمكن من تقوية المؤهلات العقلية مثل القدرة على التفكير والبرهنة، وحل المشاكل، والتدرب على التعلم والإنتاج.
إن أغلب المتعلمين يظهرون، وبشكل تلقائي، اهتماما كبيرا لأغلب الأنشطة التعلمية المعتمدة على تكنولوجيا حديثة. ويحدث العكس عند استعمال مقاربات تقليدية.
وأغلب التحقيقات والمعاينات الميدانية وبرامج التتبع، التي أجريت في الدول المتقدمة تؤكد ذلك.
و انطلاقا من خلاصات لعدة دراسات وأبحاث ميدانية، أجري أغلبها في الولايات المتحدة الأمريكية، في مستويات تعليمية مختلفة، حول استعمال الوسائل التكنولوجية في الحقل التربوي، والتي تثير الانتباه بشكل كبير، أستخلص هذه النماذج، لنأخذ فكرة عما يجري في الدول المتقدمة، حتى نعرف ما ينتظرنا من مجهودات في المستقبل.
أجرت مجموعة من الباحثين في 1990، على مستوى السنة النهائية من الابتدائي، بحثا لمدة سنة، حول استعمال أنظمة التواصل والمعلومات في دروس اللغة. وفي نهاية السنة، تم تقويم التجربة، وأظهرت النتيجة أن المجموعة المستهدفة من التلاميذ حققت قفزة ثلاث سنوات فيما يخص التحكم في قواعد اللغة، وسنتين بالنسبة للتعبير اللغوي، وسنة واحدة بالنسبة للقراءة والرياضيات.
وأجريت تجربة أخرى في نفس المستوى التعليمي ( السنة النهائية ابتدائي )، حول مشروع ندوة إليكترونية حول مواضيع علمية واجتماعية، حيث تمكن التلاميذ خلال سنة واحدة، من مكاتبة أساتذة وطلبة جامعيين، ومدرسي وتلاميذ التعليم الثانوي، ومدرسيهم.
وتم تقويم التجربة في آخر السنة، حيث خضع التلاميذ المستهدفون لاختبارات في القراءة والكتابة. وكانت النتيجة هي أن هؤلاء التلاميذ، تجاوزوا فيما يخص فهم النصوص، ما يمكن تحقيقه خلال سنتين تعليميتين، وسنة ونصف بالنسبة لمعرفة شرح المفردات والتعبير الكتابي، وأقل من سنة في القواعد. ذلك أنهم بذلوا مجهودات كبيرة في قراءة وفهم المراسلات الإليكترونية التي توصلوا بها، وأنتجوا أقل منها عددا.
نستخلص من النموذجين أهمية استعمال التكنولوجيا الحديثة في المجال التربوي قصد تحقيق أهداف وقدرات محددة حسب مشاريع تعليمية محددة، وفي وقت أقل مما يتطلبه تحقيقها بالوسائل التقليدية.
وفي تقرير نشره " مكتب تقويم التكنولوجيا " Office of Technology Assessment " سنة 1995، يتم التأكيد عل أهمية التحفيز التي يحدثها استعمال التكنولوجيا وسط التلاميذ من مختلف الأعمار.
ومن أهم العوامل المحفزة للتلاميذ: المحيط والوسائل التكنولوجية والمضمون الذي تقدمه بشكل يثير اندفاع التلاميذ مباشرة إلى المشاركة، الشيء الذي تفتقده الكراسات والوسائل التعليمية التقليدية.
إن الوسائل التكنولوجية لها قدرة تفاعلية، تسمح للتلاميذ بالانخراط والمساهمة في أنشطة تدفعهم إلى الإبداع ومشاركة الغير. ويزداد تركيزهم على نشاط تعلمي بنسبة 20%، عند استعمال
" نظام تعلمي مدمج" ( Système d'Apprentissage Intégré ). بحث أجراه: Western Institute for Research and Evaluation سنة 1995.
وفي دراسة أجريت ب نيوزيلاندة من طرف مجموعة من الباحثين، سنة 1996، تبين أن: استعمال
الحاسوب بشكل مستمر، لم يكسب التلاميذ " كفايات تكنولوجية " فحسب، بل كذلك مؤهلات ليصبحوا " منتجين للمعارف " Producteurs de connaissances ". وكل مشروع أنجز من طرفهم، يعتبرونه مشروعا جماعيا، يمكن عرضه على العموم، قابل لتعاليق وتقويم الأساتذة ونظرائهم، وهم على استعداد للمساهمة الفعالة لبلورة وتقويم معارفهم.
وأجريت تجربة أخرى بالولايات المتحدة حول مشروع: "ACOT " ( Apple Classrooms of Tomorrow )
المشروع الذي أنتجته و تبنته شركة Apple للمعلوميات، تمت تجربته لمدة 10 سنوات، ما بين 1985 – 1995، بمؤسسات ابتدائية وثانوية، تؤكد نتائجه على تنمية علاقات العمل الجماعي بين التلاميذ. وتبرز هذه التجربة اهتمام شركات إنتاج البرانم Logiciels بالجودة وتتبع النتائج، لأهداف اقتصادية. وتجدر الإشارة إلى أن أغلب البرانم التعليمية " Logiciels Ēducatifs " تصمم للاستعمال الفردي. لكن داخل المؤسسات، لا يمكن إيجاد حاسوب لكل تلميذ، فعلى الأقل يشتغل تلميذان أو أكثر بحاسوب واحد. وفي هذا الإطار تحدث التفاعلات بين التلاميذ أنفسهم، وبينهم والمحيط التعليمي الذي يوضع رهن إشارتهم ( أساسا الحاسوب وأوراق العمل والتوجيهات).
وبالنسبة للتعلم الذاتي أو الفردي، باستعمال الوسائل التكنولوجية الحديثة، استخلصت إحدى المدرسات النتيجة التالية:<< يحب التلاميذ أن يتباروا مع أنفسهم، سعداء لطرح ومناقشة مواضيع جديدة، في بيئة لا تهددهم ولا تحاكمهم، رغم أن النظام يصحح الأخطاء ويفرض عقوبات. لكنه لا يهينهم، مثلما يحدث دائما داخل القسم...>>.
ثانيا: ضرورة استئناس المدرس بوسائل الاتصال والمعلومات
إذا كان استعمال الوسائل التكنولوجية الحديثة يساعد على ربح الوقت وحرق المراحل في مجال التعليم والتكوين والتعلم، كما أوضحت نتائج الأبحاث المشار إليها سابقا، فما هي المواصفات التي يجب أن تتوفر في المدرسين والمربين لمواكبة هذا التطور والاستفادة منه؟
إن تطور تكنولوجيا المعلومات والاتصال، أحدث تحولات عميقة في إمكانيات الحصول على المعرفة والفعل فيها وإشاعتها. وهكذا أصبح يتغير دور المدرس، سواء في الابتدائي أو الثانوي أو بالتعليم العالي؛ فاستعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصال يسهل العمل التفاعلي، العمل على مشروع، العمل في إطار مجموعات، فتتغير علاقات القسم. ويصبح المدرس يلعب دور المرشد والوسيط والمرجع في بناء عمليات تعلم التلاميذ التي أصبحت تتقوى بوجود هذه التقنيات الجديدة.
إذن أصبح من المفروض على مراكز التكوين، تأهيل مدرسي المستقبل لاستعمال تكنولوجيا المعلومات والاتصال؛ أي أن يكون المدرس الوافد على المؤسسة قادرا، وفي حد أدنى، على توظيف الأدوات المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصال في مختلف مجالات استعمالها. مثلا:
- القدرة على إجراء بحث عن معلومات عبر شبكة الأنترنيت.
- القدرة على إنتاج وثيقة من مكونات مختلفة: نص – جدول – صورة ...
- القدرة الدنيا على قراءة وتحليل الصورة.
أما بالنسبة للمدرس الفاعل حاليا، وحتى يواكب التطورات الحاصلة ويتجنب المفاجئات المحتملة
لابد له من اقتحام مجال تكنولوجيا المعلومات والاتصال، حتى يتمكن من معرفة حاجياته لها،وتحقيق أهدافه، انطلاقا من مضامين المقررات، التي يجب أن يكون لها ارتباط هي الأخرى بالتكنولوجيا الحديثة.مثلا:
* معرفة طرق ولوج مصادر المعلومات، على اختلاف أنواعها: أقراص مضغوطة أو شبكة الأنترنيت. كل ذلك من أجل:
1 – إنجاز البحث – تحليله انطلاقا من قراءة نقدية.
2 – إنتاج شخصي للمعلومات.
3 – استعمال المعلومات المرتبطة بالأنشطة التعليمية.
* التعرف على المصادر الأساسية للمعلومات، المرتبطة بتكنولوجيا المعلومات والاتصال، واستعمالها لتحقيق هدف بيداغوجي محدد.
وعلينا كمدرسين أن نستعد لتدبير جديد للقسم وتنظيم التعلم، لأن إدخال التكنولوجيا الحديثة في مجال التعليم، سيحدث تغييرا داخل جماعة القسم، وكذلك في العلاقة بين المدرسين والتلاميذ.
المدرس لم يعد وحده محور المعرفة أو مصدر المعلومات، عليه إرشاد وتتبع عمل التلاميذ في عملية البحث عن المعلومات، انطلاقا من معرفته لمصادر المعلومات وأنجع الوسائل التي تعرض الحلول الممكنة والملائمة.
إن التكنولوجيا الحديثة في مجال المعلومات والاتصال يجب أن نستغلها بشكل إيجابي، لأنها سلاح ذو حدين، تساهم في تعدد قنوات التواصل والتبادل، الإيجابي والسلبي منها. وعلينا معرفة خطورتها وأهميتها في نفس الوقت، حتى نتمكن من التعاون بيننا كمربين لتوجيه تلامذتنا وأبنائنا في الاتجاه الصحيح.مثلا:
جعل هذه الوسائل تساهم في تسهيل العمل بين التلاميذ فيما بينهم.
كذلك بالنسبة للمدرسين: تبادل التجارب البيداغوجية والتربوية والتعاون في مجال المستجدات.
تطوير إستراتيجيات العمل الجماعي( أي فرق العمل ) داخل المؤسسة، بين المؤسسات التعليمية، على مستوى الأكاديمية، على المستوى الوطني، أو مجال أوسع.
إنتاج معلومات بالمساهمة في مواقع المؤسسات على الشبكة بمواضيع مرتبطة بالتربية والتعليم.

 
قدمت هذه المقالة في إطار عرض بأكاديمية مراكش تانسيفت الحوز حول أهمية الوسائل التكنولوجية الحديثة في العملية التعليمية، بمبادرة من منسقية الإجتماعيات. سنة 2002

عبد العزيز بودينة

الجمعة، 30 أبريل، 2010

أية وظيفة للممارس البيداغوجي في ظل بيداغوجيا الادماج؟



صار من المؤكد في غضون الألفية الراهنة - أن للعنصر البشري الدور البارز في تحقيق الثورات التاريخية والنقلات النوعية بشتى مظاهرها وتجلياتها، في جميع المجالات التي تشهدها الشعوب في أرجاء العالم، حيث أضحت للكفاءات البشرية مكانة خاصة ضمن التطورات الجوهرية التي تعرفها جل الميادين الانسانية، وكذا الوظائف السيكوذهنية (الابداع / التكيف / الادماج / التوظيف..) التي اكتسبت مع مرور الزمن قيمتها الاضافية الحقيقية البراقة وأصبحت تعد من الدعامات الأساسية للنهوض بأحوال المجتمعات اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا، سياسيا، دينيا...)

وبإلقاء نظرة بسيطة على المشهد التربوي التعليمي على ضوء الظرفية الحالية، سيتضح جليا أن عملية التعليم أو التدريس قد شابتها العديد من التغييرات الجذرية التي فرضتها ميكانزمات »التحول« على المستوى الاقتصادي والسوسيوثقافي الذي عرفه العالم (القرية الصغيرة) نتيجة تأثيرات العولمة الثقافية والاقتصادية...

إذ ستتغير آليات وتمفصلات الفعل التعليمي التعلمي بدورها، كنتيجة حتمية لهذه الثورة أو الموجهة البديلة، وستتبنى الممارسة التربوية / التعليمية منهجا آخر أكثر انسجاما مع الظروف الحالية. وبات أيضا من اللازم على الممارس البيداغوجي الحديث أن ينسلخ من تبعات الممارسة التربوية / التعليمية التقليدية التي كانت تلف جسده وروحه وتفكيره لسنوات طوال، كانت تختزل دوره في مسألة التدريس المبرمج والتلقين الخطي، كما كانت تسيطر على أدائه البيداغوجي ليصبح أحادي الجانب رغم أنفه، بالاضافة إلى أنها كانت تساهم في إجهاض العمليات الديكتيكية التي تبرز الجانب الآخر من شخصية الممارس البيداغوجي، فتدفعه إلى اتباع استراتيجيات عقيمة الغرض منها، حشو الادمغة الصغيرة بأنواع متعددة من المعارف النظرية المثبتة في المقررات والمناهج التربوية المستوردة غالبا من حقول مخالفة. في الوقت الذي أصبح فيه الشأن التربوي يأخذ منحا آخر ويكتسي صبغة »الإلحاحية« فيما يخص مناولات وتكتيكات الممارس البيداغوجي داخل نسيج المنظومة التربوية / التعليمية، حيث صار منقبا عن الأرضية الصالحة وفق الظروف الزمكانية والبيولوجية التي ستشتغل على غرارها الذات المتعلمة / اللبنة، ومهيئا للفضاء التعليمي الملائم للأداء البيداغوجي الايجابي، ومهندسا محنكا لتصميم ووضع الخطة الجيدة قصد بناء المعارف، والمشرف على سلامتها وتماسك أجزائها، والمسؤول عن تطوير مستلزمات هذا البناء من قدرات فكرية ومهارات ذهنية وكفايات اجتماعية وجدانية وسلوكية حضارية..

من هذه الزاوية غير الضيقة نرى أن مسألة التدريس لم تعد مقتصرة على ملء الفراغات الذهنية بأقراص مدمجة من المعارف المختلفة شكلا ومضمونا، بل أضحى لها بعد آخر يتمثل أساسا في توجيه الذات المتعلمة نحو اكتساب جملة من الكفايات الموضوعية، واستشعار قيمتها البيداغوجية داخل الحجرة الدراسية وقيمتها الوظيفية أثناء مواجهة وضعيات حقيقية / حياتية على حد سواء.

من الواضح جدا أن الفعل التعليمي التعلمي المعاصر أصبح يتمتع بخصوصيات ذات أبعاد متميزة، ومسألة التعليم لها مفهوم آخر وهدف آخر، يجعلها تترقى ضمن سلم المنظومة التربوية برمتها، لكنها، وفي طلب هذه المتغيرات الآنية، غدت مسألة معقدة ومركبة في نفس الوقت، كون »التعليم« يخضع للنوعية والنوعية كذات مركبة لاتعرف الاستقرار، فلا التقليص منها ولا حصولها في غير وقتها يثبت كيانها أو يؤكد فعاليتها، ذلك لأن النوعية صفة دائمة التجديد والتحول والتطور، يكرسها الفعل وتستجوب إشراك جميع صناعها، ثم إن إرادتها لا تقتصر على إدارة نوعية وضعيات التعلم أو إدارة الفعل التربوي / البيداغوجي فقط، بل تشمل المنظومة التربوية بجميع مكوناتها ومراحلها، لكون النوعية نتاج كافة هذه المكونات والمراحل مجتمعة في نسقية لا تقبل التجزيئ ومن أنواعها:

1 - نوعية الأهداف والبرامج، 2 - نوعية الطرائق والاستراتيجيات، 3 - نوعية التدبير والتسيير، 4 - نوعية التكوين والتوجيه، 5 - نوعية التعلم والتقييم. إلخ... وتندرج هذه المراحل النوعية في إطار نسقي، عبارة عن سلسلة من الحلقات المنظمة، لا يمكن إغفال أي منها لسبب من الأسباب أثناء معالجة وضعية تعليمية تعلمية ما.

ضمن هذه الصيرورة الجوهرية ذات الصفة الانفعالية / البراغماتية التي تعرفها المنظومات التربوية العالمية إزاء الأوضاع الراهنة المتقلبة، أصبح الشأن التربوي يواجه تحديا ثنائيا الأبعاد على غرار (التجديد أو التبديد)، وفي هذا السياق ستتخذ الاصلاحات التربوية اتجاها آخر باعتمادها مبدأ المقاربة بالكفايات كاستراتيجية لها دلالات سيكوبيداغوجية عميقة وكمنهجية ايجابية جديدة بديلة، وكأداة ديدكتيكية فعالة لتهييء متعلم / المستقبل، وكذا التصدي لكل الاكراهات التي تصنعها متطلبات الحياة / المعولمة.

الأكيد أن بروز هذا النمط البيداغوجي الحديث في ساحة الممارسة التربوية / التعليمية، أثر بشكل كبير على أدوار جميع رؤوس مثلث العملية التعليمية التعلمية، وأصبح خلالها المتعلم القطب المتوهج والورقة الرابحة أثناء مزاولة مهمة التدريس، ثم انبثقت بيداغوجيا الادماج في إطار المساعي المتنوعة التي ترسمها البيداغوجيات الحالية، حيث تحرص على إكساب الفرد / المتعلم (ة) الكفايات الضرورية التي تمكنه من إدماج (وليس فقط نقل) معارفه النظرية وتحويلها (وليس فقط تقليدها) إلى معارف أدائية سلوكية.. دون إغفال مهمة الممارسة البيداغوجية والتي تمنحه هذه البيداغوجية المكانة الأساسية داخل السيرورة التعليمية، إذ تعتبره الشرط اللازم لضمان تفعيل تصورات الوضعيات الديداكتيكية على اختلاف تركيباتها. وبالاضافة إلى كونه مدبرا ومنفذا وصاحب قرار.. فهو صانع أيضا للاستراتيجيات البيداغوجية، لما له من مميزات خاصة، على رأسها أنه الفرد الأكثر اندماجا مع عناصر الجماعة الصفية، وبإمكانه ولوج عالم الطفل / المتعلم دون أدنى عناء، بالتالي وأخذا بهذه المميزات التي بات الممارس البيداغوجي الحديث يتمتع بها، أصبح الشأن التربوي متعدد الجوانب تتداخل فيه الكثير من الأمور التي تقوده إلى حصد نتائج جيدة.

إن أدوار الممارس البيداغوجي في ضوء المقاربات البيداغوجية الحديثة عرفت تغييرات مهمة من قبيل أنه أصبح ينعت بالمدرس الاستراتيجي على حد تعبير (باك تارديف) الذي يصفه بالمفكر وصاحب قرار ومحفز على التعلم ونموذج ووسيط مدرب. يمكن إذن تحليل كل وصف على حدة انطلاقا من وضع ذات الممارس البيداغوجي في صراع مع المكونات / الديكتيكية أثناء ممارسة الفعل التعليمي - التعلمي في ظل بيداغوجيا الادماج:

المدرس المفكر: يتجاوز تفكيره نطاق المهمات التدريسة العادي، كاكساب المتعلم زمرة من المهارات والقدرات ذات البعد السلوكي أو تجهيز مسبق لجملة من المعارف والمعلومات لإرضاء الجانب المعرفي في شخصية الفرد / المتعلم... يتجاوز هذا النطاق المحدود إلى نطاق واسع، حيث ينصب تفكيره في تحليل جزيئات الأهداف المثبتة في البرامج والمقررات التربوية بلوغا حد التأمل والنقد أحيانا، كما ينشغل بتحيين مناهج التدريس قصد ملاءمتها مع حاجيات جماعته الصفية انطلاقا من مجموعة من الدراسات الميدانية التي يهيئها لهذا الغرض، بالاضافة إلى التفكير الدائم في سبل توظيف مكتسبات المتعلم توظيفا فعليا داخل وضعيات ديداكتيكية محكمة الضوابط ومستفزة للذات المتعلمة. إن الممارس البيداغوجي المفكر لا يتوانى عن إعداد الخطط والاستراتيجيات التعلمية التي يتوخى من خلالها جعل الذات المتعلمة في نزاع دائم مع المواضيع التعليمية مستغلا مجموعة متنوعة من المعينات الديداكتيكية رغبة منه في تفعيل ميكانيزمات الفعل التعليمي - التعلمي.

المدرس صاحب القرار: لايقتصر على التطبيق الآلي لمضامين المقررات الرسمية ولايخضع كليا للتوجيهات والتوصيات المتعلقة بتنفيذ العمليات التعلمية، بل يتعداها - متى وجب الأمر - إلى اتخاذ القرار المناسب فيما يخص نظم التعلم وحيثيات الممارسة البيداغوجية، كما يعمل على دمج قدراته الذاتية في قلب المناولات التدريسية، مع إضفاء مسحة خاصة به على الجانب الديداكتيكي أثناء مناقشة محاور وضعية تعليمية - تعلمية ما، حيث يتخذ قرارات حاسمة، كاعتباره - على سبيل المثال - «الخطأ التعليمي» حلقة من حلقات سلسلة النجاحات التي يحققها الفرد / المتعلم وخطورة هامة في سبيل اكتساب كفايات متنوعة تعمل على بناء الشخصية المتوازنة. إن الممارس البيداغوجي ذا القرارات الصائبة البعيدة عن الحسابات الشخصية، يستطيع أن يقود جماعته الصفية إلى إدماج مكتسباتهم المعرفية وتوظيفها لبلوغ الاستقلالية في التفكير والعمل على مجابهة الوضعيات التي يصادفها الأفراد / المتعلمون داخل أو خارج المؤسسة التعليمية بكل ثقة وحزم.

المدرس محرض على التعليم: يحلل مجمل التوقعات التي قد يصل إليها المتعلم أثناء مناقشة الموضوع التعليمي، ويحاول الوصول إلى إقناعه عبر قنوات خاصة يستغل من خلالها ملكات وذكاءات المتعلم المتعددة، كما أنه يقترح زمرة من النشاطات التعليمية التي تحرض على اكتساب مجموعة من المهارات والكفايات التي تقود إلى النجاح، ليس فقط في إنجاز بعض المهمات التعليمية - التعلمية، ولكن كذلك في مجابهة تفاصيل واقع الحياة اليومية التي يلامسها بشكل مفتعل وصريح. إن الممارس البيداغوجي المحفز على التعلم والاكتساب مدعو الي إعادة ترتيب أدوات الفعل التعليمي التعلمي وإدماج تكتيكات الأداء البيداغوجي في نسيج الوضعيات التعلمية المختلفة، على النحو الذي يضمن له تحريضا إيجابيا للجماعة الصفية علي المشاركة الفعالة في بناء »المعرفة« وكذا في إيداع استراتيجيات جديدة - خارج المألوف - لتوظيف المكتسب ومناقشة المنتوج التعليمي، سواء كان ذلك أثناء المارسة الفعلية لمهمة التدريس أو خلال مزاولة نشاطات تربوية أخرى.

المدرس نموذج: الحديث هنا عن النموذج (السلوك والتصرف التعليمي - التعلمي) بالدرجة الأولى، وليس فقط ما ينعت في الأدبيات البيداغوية الكلاسيكية ب »القدوة« إن الأمر يهم الجانب المحاكاتي - إن صح التعبير - للأداءات البيداغوجية الفعالة وتقنيات الإنجاز الديداكتيكي الجيد أثناء تفعيل مقتضيات الوضعية - المسألة كمثال، إذ يصبح أداءالممارس البيداغوجي النموذج الحي الذي يستلهم منه أفراد الجماعة الصفية الكفاءات الطبيعية الإيجابية، دون المبالغة في إدماج هذا النمط النموذجي في جميع مراحل العملية التعليمية التعلمية، تفاديا للسقوط في »السيطرة« أو »النمطية« التي تقود الممارسة التربوية الي الناتج السلبي.

المدرس وسيط: يحاول أن يربط الذات المتعلمة بمكونات الوضعيات الديداكتيكية، حيث يساهم في إنجاح المهمات الموكولة للمتعلم بإدماجه في قلب النقاشات/ الحوارات وبتدليل الصعاب التعليمية- التعلمية وبفك رموز العوائق الابستيمولوجية المختلفة التي تحول دون تحقيق الغرض البيداغوجي المنشود.

إن وظيفة الممارس البيداغوجي في قلب بيداغوجيا الإدماج لا تقف عند حد النقل السلسل للمعارف أو حتى تجنيدها في وضعات تعليمية ما، بل أصبح عنصر /قناة ذات أهمية قصوى، تربط المادة/الصافي التعليمي بالفرد/ المنتوج التعليمي، وعبر هذه القناة تمر أدوات الفتكري والتذكر والتوظي والتركيب والتحليل... التي يستهلكها المتعلم في صورة أكثر من إيجابية.

المدرس مدرب: من المفروض أن ينتقل العفل التعليمي التعلمي من براديغم التلقين الي براديغم التدريب، وهو الأر الذي بات معمولا به منذ نشأت بيداغوجيا الكفايات وبروزها كحقل بيداغوجي جديد للتأمل والتطبيق. والممارس البيداغوجي الحديث مطالب بتحقيق الإدماج الحقيقي لكل هذه المستجدات البيداغوجية ضمن ممارساته التربوية، إذ عليه إعمال مبادئ هذا الإبدال (التدريب) في جميع مراحل المهمة التدريسية، بوضع الفرد/المتعلم في قلب وضعيات تدفعه الي القيام بوظائف معقدة وهادفة، وتستلزم من الممارس البيداغوجي أن يدربه (لا أن يلقنه) علي التصدي للمشاكل/التعلمية باستخدام تقنيات واستراتيجيات مختلفة ترنو الحد من الإخفاق وتجاوز العائق كيفما كان صنفه وفي أي زمان وفي أي مكان.

إن وظيفة الممارس البيداغوجي ضمن منظومة الأدبيات التربوية/البيداغوجية الحديثة لا تقل عنها أهمية/من حيث المبدأ- في الأدبيات التربوية / البيداغوجية التقليدية، أما من حيث الشكل فهو مختلف تماما، لأن مدرس الظرفية الراهنة، مطالب في ضوء مقاربة بيداغوجية الإدماج بالتنازل عن دوره التقليدي كبطل في مسلسل المهمة التدريسية لفائدة المتعلم الذي ستتحول وظيفته و يغدو مخرجا وصانعا لسيناريوهات الفعل التعليمي بامتياز.

جمال بن الحسين الحنصالي

تدبيرالإيقاعات المدرسية

يقول واضعو المذكرة 122 حول تنظيم الزمن المدرسي، التي أثارت ضجة ،أنهم اعتمدوا على معطيات معرفية علمية في صياغتهم التنظيمية للزمن المدرسي!نعم هناك معطيات معرفية نظرية قاربت مفهوم الزمن المدرسي في علاقته بالكرونوبيولجيا(الإيقاعات البيولوجية أو الحيوية) ،حيث حاول مهندسو المنهاج التربوي توظيف واستثمار النتائج النظرية للكرونوبيولوجيا،خصوصا تلك التي اعتمدت على أعمال طيستي (Testu).

صحيح أن وزارة التربية اعتمدت في صياغة مذكرتها التنظيمية للزمن المدرسي على بعض معطيات الكرونوبيولوجيا،لكن توظيف هذه المعطيات في تنظيمها للزمن اليومي والأسبوعي للدراسة وتحديد استعمالات الزمن(حسب الصيغ المقترحة من طرفها)،ليست هي الوحيدة الممكنة معرفيا وتخطيطيا(تنظيم الإيقاعات الزمنية الدراسية).لنرى كيف؟

في البدء، قبل بسط بعض التطبيقات التربوية للكرونوبيولوجا في التخطيط اليومي والأسبوعي لاستعمالات الزمن المدرسية في علاقاتها بالمواد الدراسية، تجدر الإشارة إلى أن نتائج الكرونوبيولوجيا ،بصفة عامة، تهم الكائن الإنساني (راشدا أو طفلا كان) باعتباره متعضي بيولوجي؛كما أن الإيقاعات الحيوية الذهنية والنفسية والحس- حركية والعضلية...تتأثر بالخصوصيات السوسيوثقافية والبيئية لمجال الكائن الإنساني(ا المتعلم أو لمدرس هنا).



التخطيط اليومي لاستعمالات الزمن:

الخبراء ينصحون بالأخذ بعين الاعتبار الإيقاعات الحيوية لتنظيم اليوم المدرسي:من الأحسن تخصيص الساعات الأكثر فعالية و ملاءمة(نهاية الصباح،وسط مابعد الزوال) للتعلمات الجديدة التي تتطلب الانتباه والتركيز والجهد،وبالمقابل، تخصيص الأوقات الأقل فعالية وملاءمة لأنشطة خاصة بصيانة المعارف،أو ذات خصائص فنية أو ترفيهية...

ويظهر أنه من الأساسي عدم إدراج في أول الصباح أو بداية ما بعد الزوال المواد الدراسية الأساسية التي تتطلب حيوية أكثر(انتباه،تركيز....).



بداية الصباح او بداية مابعد الزوال:

يجب تخصيص هذه الفترات الزمنية التي تتميز بضعف الأداء لأنشطة أكثر هدوءا وأقل جهدا.

- الأنشطة التي يُنصح بها: أنشطة التفتح،أنشطة التعبير الجسدي والفني...

- الأنشطة التي لا ينصح بها: الأنشطة التي تحتاج أكثر للأجهزة القلبية-الرئوية،والعضلية والحركية.



زمن بداية الصباح لا يُنصح به لأنه :

- تزايد حدة النشاط الشراييني في الصباح بعد الاستيقاظ.

- هبوط شديد لمستوى التنفس في الصباح(مابين الثالثة والثامنة).

- ضعف الليونة والرشاقة الحركية(تتبع نفس إيقاع الحرارة الجسدية المركزية،هناك ليونة أكثر خلال نهاية مابعد الزوال وبداية المساء).

- ضعف القدرة على القيام بمجهودات ومهام تتطلب جهدا مرتفعا.

- ضعف مستوى الحافزية والمزاج.
وسط الصباح

- أنشطة يُنصح بها:الأنشطة التي تتطلب بذل طاقة أكثر.التلاميذ يكونون أكثر انتباها وإدراكا؛إنه أحسن توقيت للأداءات السيكو- حركية والمعرفية ،ولأنشطة الذاكرة القصيرة المدى.



وسط ونهاية مابعد الزوال:

- الأنشطة التي ينصح بها: الأنشطة التقنية والتي تتطلب طاقات أكثر:إنها فترة أقصى القدرات الفيزيولوجية،والقوة العضلية(فترة الأرقام القياسية لألعاب القوة)،والحافزية،والمزاج(الرياضات الجماعية).

التخطيط الأسبوعي لاستعمالات الزمن

في حالة الأسبوع التقليدي،الدراسات بينت أن الخميس والجمعة هما أحسن أيام الأسبوع ملاءمة للتعلم الجيد،في المقابل الاثنين والسبت صباحا هما اليومان الأقل فعالية وأداء.يوم الاثنين خاصة يتأثر سلبا بظواهر التزامن التي لها علاقة بنهاية الأسبوع.وعلى العكس،فاصل يوم الأربعاء يظهر مُوات،خصوصا إن اقترن بأنشطة خارج المدرسة.

هذه الأفكار ليست صالحة فقط لتخطيط كل المواد الدراسية،ولكن أيضا لتخطيط مضامين كل مادة دراسية خلال الأسبوع.

نعتقد أن بداية الأسبوع( يوم الاثنين) ونهايته (السبت) يكونان أكثر ملاءمة للقيام بالأنشطة والأعمال الموجهة والتطبيقية التي لها علاقة بالتعلمات السابقة.يتعلق الأمر بتجنب برمجة تعلمات المفاهيم الجديدة وخاصة يوم الاثنين.هذه التعلمات وكل الأنشطة التي تتطلب تحملا/جهدا كبيرا للذاكرة وللقدرات العقلية يجب برمجتها فيما تبقى من الأسبوع(الثلاثاء،الخميس،الجمعة).

لكي يكون التعلم أكثر نجاعة،يجب ربط ودمج البرمجة الأسبوعية بالبرمجة اليومية للمواد الدراسية ومضامينها.لا يمكننا أن نطلب من تلميذ أن يكون أكثر نجاعة وأكثر أداء يوم الاثنين صباحا ويوم الخميس بعد الزوال.

من الواضح أن النتائج العلمية للكرونبيولوجيا وتطبيقاتها التربوية تنصح فقط ببرمجة المواد والأنشطة التعلمية(واستعمالات الزمن) في أوقات محددة تمتاز بإيقاعات حيوية جيدة وقوية،ولا يمكن أن نستنتج من هذه «المعطيات العلمية» إلغاء التوقيت المستمر فعلت الوزارة.

كما أن تجريد الزمن المدرسي والإيقاعات البيولوجية عن السياقات الموضوعية (السوسيو ثقافية والاقتصادية والبيئية والمهنية...)، وخصوصا تلك المرتبطة بالمعوقات السلبية وما أكثرها في زمننا المغربي( الفقر، بُعد المدرسة،معاناة التنقل،المناخ،تردي البنيات التحتية،فقر الفضاءات والتجهيزات المدرسية ، التضخم الكمي للبرامج والمقررات،تردي الشروط المهنية والاجتماعية...)، من شأنه أن يكون له تأثيرات عكسية وسلبية على النتائج الإيجابية المرجوة من تطبيق الكرونوبيولوجيا.

وكذلك،بما أن الأستاذ والأستاذة هما كذلك كائنان بيولوجيان واجتماعيان(وليسا كائنين معدنيين!)،فمن الخطأ العلمي أن نجعلهما كائنان لازمنيان ولا بيولوجيان ونستثنيهما من البناء والتخطيط المعرفين-التنظيمين للزمن المدرسي؛أي:يجب كذك الأخذ بعين الاعتبار الإيقاعات البيولوجية للأساتذة في علاقتها بصياغة استعمالات الزمن،و التقليص من ساعات العمل ،التي تريد الوزارة إضافة ساعات أخرى إلى تلك المرهقة والكثيرة أصلا (مثلا الغلاف الزمني الدراسي في التعليم الفلندي هو الأقل عالميا،ومع ذلك يتصدر قائمة الدول من حيث النتائج والفعالية ).

لو كانت وزارة التربية الوطنية قد اعتمدت التطبيقات العلمية للكرونوبيولوجيا في علاقاتها بالمعطيات البيداغوجية والسوسيو مهنية الواقعية،لما ألغت التوقيت المستمر(الذي لا علاقة له ميكانيكيا بالتطبيق السليم والعلمي لحقائق الكرونوبيولوجيا)،ولما أثارت كل تلك الضجة،التي أهدرت كثيرا من الوقت والجهد والأعصاب،و الوزارة في حاجة إلى كل ذلك لتكريس تعبئة حقيقية لتحقيق»مدرسة النجاح»، وتجاوز أزمنة الإخفاقات الحقيقية لمنظومة التربية والتكوين التي لا تنتهي.
محمد الصدوقي

الخميس، 29 أبريل، 2010

الطرائق البيداغوجية Les méthode pédagogiques



1: تعريف : يشير كلا من Champy و Etévé. إلى أن استعمال" طريقة بيداغوجية" يعد من الاستعمالات الواسعة في الأدبيات البيداغوجية ، حيث يمكن أن نميز بين ثلاث معان متداولة : المعنى الأول ، يشير إلى اعتبارها اتجاها بيداغوجيا يبحث عن دعم بعض الغايات التربوية ، فيؤدي إلى مجموعة واضحة من الممارسات ، مثل: طرائق تقليدية ، حديثة، فعالة... وما يوحد بين هذه الطرائق هو كونها تعمل على توظيف وضعيات ووسائل مختلفة تكون تابعة لمشروع تربوي واضح، المعنى الثاني يستعمل للإشارة إلى نوع من الأنشطة التي تهدف إلى إتاحة بعض أنواع التعليم ، أو إلى تنمية بعض القدرات ) الطريقة الكلية، طريقة المشروع ، طريقة التعليم المبرمج...( والشيء الموحد في هذه الطرق هو طبيعة النشاط في خصوصيته البيداغوجية ، حيث يستدعي وضعيات ووسائل محددة ، أما المعنى الثالث فيستعمل للإشارة إلى وسائل خاصة ذات استعمالات مضبوطة ترتبط بأهداف محددة جدا ) الوضعية المشكلة ، مشاكل مفتوحة... (
كما أن الطريقة البيداغوجية الحقيقية ، هي عبارة عن نموذج واضح، انطلاقا من الأسس المرجعية التي تستند إليها ،وانطلاقا من حرصها على تحقيق توازن بين متغيراتها الثلاث : الغايات، المرجعية العلمية ، الوسائل والأدوات ( Champy,Etévé,1994) والطريقة حسب Leif هي مجموع المبادئ والوسائل والخطوات وقواعد الفعل التربوي أو البيداغوجي قصد تحقيق الأغراض والأهداف والغايات التي نحددها ).1974Leif.J) .
كما نجد بأن الطريقة حسب روكلان REUCHLIN هي مجموعة منظمة وواضحة من المقاصد والنتائج التربوية الموجهة نحو هد ف معلن بصفة ظاهرة أو ضمنية. بعد محاولتنا التعرف على معنى الطريقة ، سننقل الآن إلى تحديد أهم مكونات الطرائق البيداغوجية .
2 ـ مكونات الطرائق البيداغوجية:

تتكون الطرائق ، بالنسبة لتنظيمها الداخلي ، من خمس مكونات أساسية

1ـ المستوى المنهجي le degré de la didactisation ويشير إلى الوضع الذي تتحده المعارف المدرسية في علاقاتها بالمجالات الاجتماعية التي ستظهر فيها) البعد الوظيفي للمعرفة المدرسية ( :
2- الوضعيان المستعملة: ويمكن ترتيبها غي ثلاثة أنواع حسب بنية التواصل المقترحة من طرف كل واحدة: الوضعيان الجماعية المفروضة ) الدرس الإلقائي ...(،وضعيان النشاط المتداخل situations interactives وتتضمن جميع أشكال العمل بالمجموعات ، وأخيرا وضعيات فردانية ، وتشمل المقابلة مع وصيtuteur ... الدراسة بمساعدة الحاسوب ...
3- الوسائل المجندة :أي الوسائل المستعملة )نص ،صورة، أداة ...( وهنا يجب مراعاة ماأصبح يسمى بالجانبية البيداغوجية profile pédagogique، حيث أن كل متعلم يكون صورا ذهنية سمعية، أو بصرية أولها علاقة بالإحساس الحركي ، وعليه يمكننا أن نكيف أو نختار وسائلنا حسب المنحى البيداغوجي للمتعلم، الذي يمكن أن يفضل وسيلة على أخرى
4- العلاقة البيداغوجية : وهنا يتعلق الأمر بالتوجيهية أو اللا توجيهية ، أو التوجيهية الجديدة ، وفي هذا المجال ، يتحدث مثلا كورت لووين Kurt lewin عن رئيس الجماعة السلطوي ، وعن اللاتوجيهي ، وعن التسيير الديمقراطي ) وهي مفاهيم مشتقات من علم النفس الإجتماعي ، وخاصة من الدراسات التي اهتمت بدينامية الجماعات (
5- أشكال التقويم :حيث نجد بأن أية طريقة بيداغوجية تتميز بشكل التقويم الذي نختاره)ويمكننا أن نلمس ذالك لاحقا ، حيث أن التقويم وفق نموذج بيداغوجيا الأهداف ليس نفسه في بيداغوجيا الكفايات )سلسلة التكوين التربوي العدد 4).
إذن، تلكم المكونات الخمس الأساسية للطرائق البيداغوجية وذالك حسب تنضيمها الداخلي ، كما أشرنا إلى ذالك سابقا ،وفي الخطوة التالية ،وقبل التطرق إلى مسألة تصنيف الطرائق البيداغوجية نظرا لأهميته للتميز بين مختلف الطرائق المستعملة، لا بأس أن نميز مفهوم الطريقة عن بعض المفاهيم المتشابهة معها ،لتلاقي كل خلط محتمل .

3- تمييز الطريقة عن بعض المفاهيم المتقاربة معها:

وسنخص هنا بالذكر بعض المفاهيم التالية: النموذج التربوي، التقنيات التعليمية الأسلوب التعليمي، المنهجية :فالنموذج التعليمي يشير إلى نسق بأكمله ،وينطلق من السياسة التعليمية إلى الممارسة اليومية لعملية التعليم مرورا بالمناهج وبتنظيمها وتخطيطها ، التنظيم الإداري والتأطير التربوي والموارد المادية والبشرية ، ويتسم بطابعه الدينامي في علاقته مع النسق الثقافي والاجتماعي وبتوضيحه لأساليب إيصالها وتبليغها ... أما الطريقة فهي شكل من أشكال العمل الديداكتيكي داخل الوضعية التعليمية التعلمية؛ التقنية التعليمية، تعني مهارة un savoir faire، وذالك في الاستعمال العام حسب le gendre، ومن بين هذه التقنيات مثلا تقنية السؤال ، تقنية جلب الانتباه ، تقنية التحفيز ... أما المنهجية )وكما رأينا سابقا (هي مجموعة من الخطوات أو المراحل المنظمة والمرتبة، يقوم المدرس بتنفيذها، حتى يمكن من إنجاز الدرس )سلسلة علوم التربية، عدد 7( . والآن ننتقل إلى تصنيف الطرائق البيداغوجية للتعرف على الطرائق

 
البيداغوجية المتداولة وخصائص كل واحدة منها على حدى



4-تصنيف الطرائق البيداغوجية



يشير reuchlinالي عدم وجود نظرية عامة تساعد على تقديم تصنيف وحيد وواضح لمجموع الطرق و التقنيات التربوية و التعليمية ، و يقترح اللسس التالية :
.طرائق حديثة مقابل طرائق تقليدية .

الأسس السيكولوجية و الفلسفية المعتمدة مثلا كطريقة ديكولي /decroly تعتمد أساسا على نظرية الجشطالت في اللدراك ،طريقة مونتيسوري /montessori التي ل يمكن فهمها إلا بالرجوع إلى السيكولوجيا الحسية لكونداك ؛ طرائق سكينر) التعلم اإلجراءي ،التعليم المبرمج( وهي كنتيجة لنظرية التعلم بالمثير والإ ستجابة؛طرائق Makarenko ( العمل بالمجموعات) وهي نتيجة لمواقفه الماركسية؛الطرائق الحديثة التي ترتكز على الإبستيمولوجيا التكوينية(Piaget، Wallon )؛الطرائق التقليدية التي تعتمد على الإلقاء...

· حسب موقف المربي: الطرائق الإ لقائيةأو الخطا بية ،الطريقة اللا توجيهية،وحسب دراسات كل من Lewinو white وHippit ،نجد طريقة المدرس المتسلط أو المدرس الديمقراطي أو المدرس الفوضوي(اللا توجيهي).

· نوع العمل الذي يقوم به المتعلم:الطرائق الجماعية،الطرائق الفردانية أو التفريدية،كما في التعليم المفردن أو في طريقة دالتون.

· أ أشكال الإ لقاء،إضافة إلى الوسائل المستعملة،التي قد تكون كلمة أو جسم ملموس أ و صورة،كما أن المسؤول عن الإيصال قد يكون إنسانا أو آلة، كالحاسوب...

· نوع العمل الذي يطالب التلميذ إنجازه:مثلا،الطرائق التقليدية تطالب التلميذ بالتكراروالحفظ الآلي، بينما الطرائق الحديتة تدفعه إلى طرح الأسئلة و حل المشكلات و الاكتشاف و الإ بداع و الإختراع)Reuchlin.M,1974) )
وبصفة عامة،يمكن تصنيف الطرائق إلى مستووين أساسيين:هناك، من جهة،الطرائق التقليدية، التي صنفهاNot ضمن ما أسماه بطرائق البناء الخارجي، وهي تعتمد أساسا على تلقين موضوع المعرفة، ومن جهة أخرى،هناك طرائق "البناء الذاتي"أو الطرائق الفعالةLes méthode actifs (سلسلة التكوين التربوي،ع4).
ويمكننا أن نتعرف بتدقيق أكثر على أهم خصائص الطرائق الرائجة في الأدبيات التربوية، المتمثلة في الطرائق التقليدية والطرائق الحديثة والطرائق النشيطة أو الفعالة ،في الآتي: القاسم المشترك بين الطرائق التقليدية كونها قديمة ومتمحورة حول تبليغ المعارف وسلطة المدرس . ومبادؤها الأساسية تقوم على التبسيط والتحليل والتدرج من البسيط والجزئي إلى المركب والكلي من خلال تفريغ المادة وتجزيئها ، وتمتاز بالطابع الصوري ، حيث تعتمد على التسلسل المنطقي والتصنيف ، الاعتماد على الحفظ في التعلم وعلى التذكر عند التقويم ، الاعتماد على السلطة والعقاب ، والمنافسة للحصول على الجزاء ،التركيز على الحدس أي الاعتماد على أشياء مجسمة لإثارة الملاحظة والإدراك الحسي: كما أنها تنطلق من سيكولوجيا الملكات ، التي قوامها تنمية الملكات العقلية .
أما الطرائق الحديثة فتتمحور بصفة عامة حول نشاط الطفل وتعلمه الذاتي ، ومن أهم مبادئها : تكييف المدرسة حسب حاجيات الطفل ، واعتبار نمو الطفل ونضجه وتكييف التعليم حسب كفاءات وقدرات المتعلم، الانطلاق من حوافز المتعلم واهتماماته ، تعلم الطفل عن طريق الملاحظة والتفكير والتجريد والنشاط الذاتي ، وتعتمد أيضا على تنشئة الطفل انطلاقا من حياته الاجتماعية .أما الطرائق النشطة أو الفعالة (وهي بالطبع جزء من الطرائق الحديثة)فهي تتمحور حول نشاط المتعلم والفعل الذي يتعلم من خلاله المعارف ويكتشفها ، حيث يصبح مشاركا بنفسه في بناء المعارف مستعملا مبادرته الإبداعية، بدلا من تلقي المعارف (من الخرج جاهزة) حيث تعتمد على المبادرة الشخصية والإبداعية والاكتشاف... فالنشيط يعتبر جماعة القسم جماعة منتجة ومتعاونة ، غير أن هذا الإنتاج هو إنتاج شخصي وفردي والمعايير التي تستند إليها هذه الطرق هي : النشاط والحرية، وحق المبادرة والتربية الذاتية التي تعتمد على النشاط والقرار الشخصي والاستقلالية . ومن مؤسسي الطرق الفعالة نجد كل منPestalogie و Dewy و Decroly و Ferrière ... وهي بصفة عامة تقوم على المبادئ التالية : تسعى إلى تكوين أطر متعودة على اقتراح أشكال جديدة من العمل وميالة إلى التجديد، وتجعل التلميذ صانعا لمعرفته من خلال مشاركته ، وتجعل القسم كمجتمع صغير قادر على تسيير نفسه بنفسه وفق قوانينه ومعاييره الخاصة والعيش بشكل تعاوني ، وتدفع إلى تعلم التعليم ، وذلك بجعل التلميذ يستشعر إلى معرفة العالم الذي يحيط به (معجم علوم التربية،2001). إن كل طريقة تربوية تؤطرها مرجعيات إيديولوجية معينة، لنرى ما هي الخلفيات الإيديولوجية والفكرية للطرائق .

5- الخلفيات والمرجعيات الفكرية والأيديولوجية للطرائق :

إنه لايمكن فهم أية طريقة إلا إذا ثم الرجوع إلى خلفياتها وأسسها الفلسفية و السوسيو- ثقافية بالإضافة إلى تمثلاتها السيكولوجية للطفل وللخصوصيات النمائية .

لنبدأ أولا من الخلفيات الفكرية والأيدلوجية للطرق التقليدية : اعتمد ت هذه الطرق على بعض الأسس الفلسفية التي تجد مرجعيتها في الفلسفة الحسية Ph.Sensualiste التي التصقت بالفيلسوف والمربي الإنجليزي John loke في نهاية ق 18 م ، الذي كان يعتبر العقل صفحة بيضاء وأن الإحساس هو المدخل الأساسي لتأسيس كل مفهوم ومعرفة، وبالتالي فالأفكار والمعرفة ، حسب هذا التيار ،لايمكن أن تتأسس إلا عن طريق الإدراكا ت Perceptions الناتجة عن عمل مختلف الحواس ؛ وموقف هذا التيار هو موقف فلسفي خبري تجريبي empirique ، حيث يعتبر المعرفة مستقلة عن الذات، والوسط الخارجي هو المصدر الحاسم في تكوين المعرفة. ومن أهم ممثلي هذه الفلسفة التربوية الخبرية في القرن 19 في أوربا Codillac في فرنسا ، Herbart في ألمانيا الذي أثرت أفكاره في بعض رواد التربية الحديثة مثل Maria Montesseri .كما نجد الترابطية من بين المرجعيات الفكرية التي تأثرت بها الطرق التقليدية ، حيث إن أهم شئ فيها هو الترابط الموجود بين الأفكار (أرسطو) ، إذ أن عملية الترابط تتم بواسطة التشابه والتقابل والتجاور الزمني والمكاني. ومن بين الخلفيات السوسيو – ثقافية للطرائق التقليدية ، نجد بأن هذه الطرائق هي انعكاس لموقف اجتماعي وسياسي محافظ ، يعمل على إعادة إنتاج مجتمع بشكل سكوني وأحادي ، بحيث لا ينتج سوى نسخ مكررة من الأفراد والنماذج الاجتماعية والثقافية والقيمية التقليدية والمحافظة .

ومن بين الأفكار النقدية التي وجهت لهذه الطرق التقليدية ، نجد مثلا Clausse الذي يقول بأنها تعتمد على بيداغوجيا سلبية ودوغمائية ، حيث إنها تعتمد على تنظيم وتوجيه قبليين حسب أهداف وغايات قبلية ، متأثرة بنظرية نيوتن السائدة في القرن 19 ، التي كانت تتصور الكون تصورا ميكانيكيا محددا من خلال القوانين الثابتة للطبيعة ، وحيث عناصره وظواهره ترتبط فيما بينها سببيا ... كما نجد بأن Palmade ينتقد الأساس الترابطي لهذه الطرائق التي تختزل النشاط الفكري في عمليات التركيب بين الذرات النفسية الساكنة (الإحساس والصور ) .كما أن هذه الطرائق التقليدية تتبنى تمثلاث سلبية حول نمو الطفل وخصائصه ، حيث تعتبر الطفل " رجلا صغيرا" باستطاعته فهم الأشياء من منطق الراشد ، كما أن فهم مواد البرامج يتم عن طريق عملية التذكر والإكراه (حيث إن الطفل شرير بطبيعته)، والذكاء حسب هذه الطرائق إما أنه عبارة عن ملكة faculté معطاة دفعة واحدة ، أو أنه عبارة عن نظام من الترابطات تكتسب بشكل ميكانيكي عن طريق ضغط عناصر الوسط الخارجي . وبهذا الصدد يعتبر Palmade بأن مبدأ التذكر ومبدأ الشكلية يرتبطان بالسيكولوجيا الذرية والترابطية ، وبأن سيكولوجيا الملكات يمكن ربطها بفكرة أن التدريس ما هو إلا نوع من التدريب ، حيث الطفل يمتلك ملكات طبيعية تتيح له اكتساب المعارف والقدرات التي يتوفر عليها الراشد حسب هذه الطرق التقليدية .

أما بالنسبة للطرائق البيداغوجية الحديثة والفعالة ، فإنها اعتمدت على بعض الأسس الفلسفية التي تعود إلى نهاية القرن 18 م مع التوجه الانساني لجان جاك روسو (1712-1778) ،حيث يعتبر مؤلفه Emile (1762) من أعمق مؤلفاته التربوية التي أحدثت ثورة كوبيرنيكية في التربية والبيداغوجيا وسكولوجية الطفل ، وذلك أنه جعل الطفل مركز كل الاهتمامات التربوية ، إذ دعا إلى احترام طبيعة الطفل، واعتمادها المرجع الأساس لكل تربية أو بيداغوجيا ، وإلى احترام إيقاع النمو الطبيعي لنشاطات الطفل ولقدراته واهتماماته ...وآراء روسو هي عبارة عن تأملات نظرية وفلسفية في الطبيعة الإنسانية والمجتمع وقد استلهمت أفكار روسو عدة مفكرين من بينهم الفيلسوف الألماني كانط الذي قال بأن أحسن أسلوب للفهم هو أن نقوم بفعل شئ ما ، فكل شئ نتعلمه وبشكل جيد ، هو ما نتعلمه تقريبا بأنفسنا . وكذلك المربي السويسري Pestalozzi الذي يعد من الأوائل الذي حاول تطبيق آراء روسو.

أما الأسس العلمية والسيكولوجية التي اعتمدتها الطرق الحديثة والفعالة فهي تعتبر نتيجة للتغيرات الجذرية التي عرفتها نهاية القرن التاسع عشر بخصوص المواقف والتصورات العلمية الجديدة ، لامن حيث المنهج والنظريات ، بما فيه ذلك تطورات البحث العلمي والتطورات في المجالات التقنية والصناعية التي انعكست على الميادين السياسية والتربوية... بحيث لم يعد ينظر إلى المجتمع والثقافة على أنهما أشياء ثابتة عبر الزمان والمكان، وإنما أصبح ينظر إليهما باعتبارهما بنيات دينامية خاضعة لمبدأ التطور والتجديد (فورادغار 1974) ومن الخلفيات البيداغوجية للتيارات العلمية الجديدة -خصوصا السلوكية- البحث في قوانين التعلم ،التي كانت تبنى على أسس مجردة ، وتعتمد على الطرائق المنطقية التي تم تعويضها بالطرائق السيكولوجية ، حيث إن علماء السلوك الإنساني تخلوا نهائيا عن المنهجية الغامضة وتبنوا تربية ملموسة وواقعية ترتبط أساسا ومباشرة بالحياة والاهتمام بالفروق الفردية؛ وقد أصبح ينظر إلى التعلم عند الإنسان وإلى الطرائق البيداغوجية نظرة عقلانية تهتم بما ينجزه التلميذ من سلوكات يستطيع المدرس ملاحظتها وضبطها والتحكم في توجيهها وقياسها.(سلسلة التكوين التربوي العدد 4).

وفي آخر هذا المحور المخصص للطرائق البيداغوجية ، نود أن نورد بعض الأفكار الخاصة بعلاقة الطرائق البيداغوجية الحديثة بعلم نفس الطفل ، حيث يقول بياجي بأن روسو هو الفيلسوف الذي استطاع صياغة نظرية عامة حول أهمية طفل واعتباره كائنا مستقلا ، ويتميز بطبيعة خاصة تميزه عن الراشد، وهو الرائد الأساسي للطرائق البيداغوجية الحديثة لإقراره بأن لكل طفل إمكانياته الخاصة به وبأن له طرق خاصة في النظر إلى الأمور وفي الإحساس بالأشياء، وبأن النمو الذهني كذلك هو نمو يخضع لقوانين ثابتة ، ونظرا لآراء روسو ،أصبحت نظرة " ضرورة تكيف الطفل مع المدرسة" تتحول إلى ضرورة " تكيف المدرسة مع الطفل " إذ أصبح علماء الطفولة يبحثون عن التفسير الموضوعي والعلمي للنمو ولنشاط الذهني والنفسي ؛ كم يشير Palmade إلى أن الدراسات السيكولوجية للطفل تم إنجازها من خلال منظورين مختلفين : المنظور الوظيفي ،ويرتبط بكيفية قيام شخصية الطفل بوظيفتها ، ثم يعمل على شرح كيفية تكوين هذه الشخصية (علم النفس التكويني ) ، حيث يبحث ، مثلا ، توضيح بنية الفكر عند الطفل ، واكتشاف العلاقات بين الذهنية الطفلية وذهنية الراشد، وتوحيد وتبرير تصرفات الطفل من خلال خاصيات عامة ، كخاصية التمركز حول الذات égocentrisme عند الطفل التي تتيح فهم مختلف مظاهر اللعب والتفكير واللغة لديه .أما المنظور الثاني ، فيتعلق بسيكولوجيا الملاحظة ، التي تبحث في وصف سلوك الطفل كما يظهر مباشرة ، فيقوم الباحث بتقديم السلوك اليومي الذي يطابق كل مرحلة عمرية (بياجي،علم النفس وفن التربية) . إن الطرائق البيداغوجية الحديثة قد استفادت كثيرا من علم النفس الكلاسيكي والحديث في بناء وتطوير استراتيجياتها النظرية والتقنية ، كما رأينا وكما سنرى خلال هذا الكتاب، وذلك من أجل التحكم الجيد في عملية التنشئة والتعلم ، وهذا سيتضح لنا أكثر من خلال تعرفنا على أهم نظريات التعلم .

* إعداد: محمد الصدوقي

كتاب المفيد في التربية

التعلم الذاتي أهم مرتكزات"التربية على الاختيار

تعلم الكيف بدل الكم و ترسيخ كفايات حرية التعبير و استقلالية الرأي

 
في إطار التعريف بمستجدات منظومة التربية و التكوين بالمغرب، و تحليلها و مناقشتها، و تعميم الاطلاع عليها، و التفكير فيها، تناولنا حتى الآن مجموعة من المبادئ و المنطلقات و المكونات، ذات العلاقة بمراجعة المناهج و البرامج التربوية خاصة.

و هكذا، طرحنا في أوراق سابقة المقدمات الأساسية لتلك المراجعة، و مبادئها الكبرى، و منطقها التربوي، و مداخلها البيداغوجية...و بارتباط مع هذا المحور الأخير، تشتعل ورقة اليوم على موضوع "التربية على الاختيار" (éducation au choix) .

لقد ورد تأكيد ملحوظ ضمني و صريح، في الميثاق الوطني للتربية و التكوين، و في الكتاب الأبيض الصادر عن وزارة التربية الوطنية، على تكوين القدرات و المهارات المختلفة التي تؤهل المتعلم لامتلاك كفاية "الاختيار"... و يكفي التذكير باعتبار "التربية على الاختيار" أحد المداخل البيداغوجية لمرجعية مناهج التربية و التكوين، إلى جانب "التربية على القيم، و تنمية و تطوير الكفايات التربوية".

ننطلق من المعنى المعجمي للفظ "الاختيار":

يعني لفظ "اختيار" تمييز عنصر عن عنصر آخر، أو عن عناصر أخرى، و تفضيله عنها. و مقابل ذلك يتم إبعاد ما لم يتم تفضيله. إذ يصبح فعل الاختيار فعلين: فعل إثبات، وفعل نفي... فالاختيار إثبات للعنصر الذي يفضله المرء تمييزا له عن غيره. و هو نفي للعناصر الأخرى، التي لم يفضلها المرء، و التي هي دون مستوى العنصر الذي ميزه وفضله.

انطلاقا من هذا المعنى للفظ "الاختيار"، كيف نفهم المدخل البيداغوجي الذي يطلق عليه: التربية على الاختيار...؟؟

يمكن تحديد "التربية على الاختيار" كما يلي:

التربية على الاختيار هي تربية تستهدف تمرن المتعلم على ممارسة مجموعة من العمليات، و التي يتداخل فيها ما هو عقلي- منهجي، و ما هو سلوكي- مواقفي.

كيف ذلك....؟

يتجسد ما هو عقلي-منهجي في كون التربية على الاختيار تتأسس على اكتساب المتعلم القدرة على المقارنة وبين عنصرين، أو مجموعة من المعطيات. بل إن التربية على الاختيار توجه المتعلم إلى استثمار مقارنته في تمييز أحد العناصر، كي يكون هو موضوع الاختيار، و يتدخل المستوى العقلي-المنهجي، في سيرورة التربية على الاختيار، حينما يكتسب المتعلم قدرات تفسير اختياره و البرهنة عليه.

و يتجسد المستوى السلوكي- المواقفي، الذي يرتبط بفعل الاختيار و التربية عليه، في النتيجة التي سينتهي إليها المتعلم بعد المقارنة و التمييز و البرهنة، و يتعلق الأمر بالسلوك الذي سيختاره و يتبناه، و بالموقف الذي سيميزه عن غيره، و يبرهن عليه كموقف يراه إيجابيا، و يتخذه موقفا لنفسه.

و هكذا يمكن القول: إن التربية على الاختيار هي تأهيل المتعلم لامتلاك القدرة على التمييز، و التفسير الواعي لما يميزه عن غيره، و الارتباط به عمليا و سلوكيا، سواء كان هذا الذي يميزه و يفسر تفضيله له، فكرة، أو موقفا، أو سلوكا...

بفضل هذا المدخل البيداغوجي، إذن، أي التربية على الاختيار، سيتجاوز المتعلم كونه متلقيا سلبيان ينصت إلى الدروس، و يدون المعلومات، و يحفظها، و ينجح في الامتحانات...

بل يصبح حضوره نشيطا و إيجابيا، يتفاعل مع مختلف مكونات الوسط المدرسي، من مواد دراسية، و مدرسين، و كتعلمي،.

و يمتلك المتعلم فعل التربية على الاختيار قدرة التدخل في التواصل التفاعلي داخل الوسط المدرسي، و خارجه بعد ذلك، تدخلا مزدوجا:

- فهو، من جهة أولى، تدخل عاقل (معرفي)، و ذلك بمقارنته بين الأفكار و المواقف، و بتمييزه بين السلوكات و الوضعيات التي يوجد فيها، أو تكون مفترضة...

- و هون من جهة ثانية؟ن تدخل عامل (سلوكي)، و ذلك لأنه لا يتوقف عند مستوى المقارنة، بل سيفضل فكرة عن أخرى، أو يفضل موقفا عن آخر، و يتخذه موقفا له نفسه، يتبناه، يتحمس إليه، يبرهن على صلاحيته نظريا و عمليا...

و بهذا المعنى، تتكامل التربية على الاختيار مع مجموعة من المكونات الجوهرية، في التصور التربوي الموجه لمراجعة المناهج و البرامج، في منظومتنا التربوية الجديدة...ففي التربية على الاختيار تكمن مبادئ "التعلم الذاتي"، و تعلم الكيف بدل الكم، و بفعل التربية على الاختيار يتم ترسيخ كفايات "حرية الرأي و التعبير"، و"استقلالية الفكر". كما تنسجم التربية على الاختيار عضويا مع التوجه التربوي الهادف إلى تنمية الذات و الأنا، وإلى تكوين الشخصية المواطنة، الواعية بالمسؤولية، و بالحق و الواجب، و القادرة على الإسهام في بناء المحيط الاجتماعي و الثقافي و السياسي بفعالية إيجابية، و على المشاركة في ما يهم الشأن المحلي و الوطني، بدءا من قضايا تهم الوسط المدرسي، إلى قضايا تهم الوسط العائلي، إلى قضايا تهم المجتمع عامة.

...تلك أذن، رؤية تحليلية لأحد المداخل البيداغوجية الأساسية، في بناء المناهج و البرامج الدراسية في حقل التربية و التكوين حالي، أي مدخل "التربية على الاختيار" و يبقى السؤال الذي يلزم طرحه هو، كيف يمكن أجرأة هذا المدخل، أي التربية على الاختيار، ديداكتيكيا، في وضعية دروس و أنشطة، تعليمية و تعلمية...؟؟ ذلك ما سنهتم به في أوراق لاحقة



عبد المجيد الانتصار جريدة الصباح عدد 1137 بتاريخ 4/12/2003 ص: 8

المفاتيح العشرة للنجاح الدراسي

نور الدين البركاني:



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

النجاح مطلب الجميع وتحقيق النجاح الدراسي يعتبر من أولويات الأهداف لدى الطالب .. ولكل نجاح مفتاح وفلسفة وخطوات ينبغي الاهتمام بها، ولذلك أصبح النجاح علما وهندسة.
النجاح فكر يبدأ، وشعور يدفع ويحفز، وعمل وصبر يترجم .. وهو في الأخير رحلة.

المفاتيح العشرة للنجاح الدراسي

1- الطموح كنز لا يفنى : لا يسعى للنجاح من لا يملك طموحاً، ولذلك كان الطموح هو الكنز الذي لا يفنى. فكن طموحاً وانظر إلى المعالي .. هذا عمر بن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين يقول معبراً عن طموحه:” إن لي نفسا تواقة ،تمنت الإمارة فنالتها،وتمنت الخلافة فنالتها ،وأنا الآن أتوق إلى الجنة وأرجو أن أنالها ” .
2- العطاء يساوي الأخذ : النجاح عمل وجد وتضحية وصبر، ومن منح طموحه صبراً وعملاً وجداً، حصد نجاحاً وثماراً .. فاعمل واجتهد وابذل الجهد لتحقق النجاح والطموح والهدف .. فمن جدّ وجد ومن زرع حصد.

 

وقل من جد في أمر يحاوله * * * وأستعمل الصبر إلا فاز بالظفر



3- غير رأيك في نفسك: الإنسان يملك طاقات كبيرة وقوى خفية يحتاج أن يزيل عنها غبار التقصير والكسل ..فأنت أقدر مما تتصور وأقوى مما تتخيل وأذكى بكثير مما تعتقد .. اشطب كل الكلمات السلبية عن نفسك من مثل ” لا أستطيع – لست شاطراً ..” وردّد باستمرار ” أنا أستحق الأفضل – أنا مبدع – أنا ممتاز – أنا قادر ..”.
4- النجاح هو ما تصنعه (فكر بالنجاح – أحب النجاح: ( النجاح شعور والناجح يبدأ رحلته بحب النجاح والتفكير بالنجاح .. فكر وأحب وابدأ رحلتك نحو هدفك .. تذكر دائماً : ” يبدأ النجاح من الحالة النفسية للفرد ، فعليك أن تؤمن بأنك ستنجح – بإذن الله – من أجل أن يكتب لك فعلاً النجاح”.
الناجحون لا ينجحون وهم جالسون لاهون ينتظرون النجاح، ولا يعتقدون أنه فرصة حظ، وإنما يصنعونه بالعمل والجد والتفكير والحب واستغلال الفرص والاعتماد على ما ينجزونه بأيديهم .
5- الفشل مجرد حدث..وتجارب : لا تخش الفشل بل استغله ليكون معبراً لك نحو النجاح، لم ينجح أحد دون أن يتعلم من مدرسة النجاح .. وأديسون مخترع الكهرباء قام بـ 1800 محاولة فاشلة قبل أن يحقق إنجازه الرائع، ولم ييأس بعد المحاولات الفاشلة التي كان يعتبرها دروساً تعلم من خلالها قواعد علمية وتعلم منها محاولات تؤدي إلى اختراع الكهرباء.

تذكر دائماً: “الوحيد الذي لا يفشل هو من لا يعمل ..وإذا لم تفشل فلن تجدّ ..الفشل فرص وتجارب ..لا تخف من الفشل ولا تترك محاولة فاشلة تصيبك بالإحباط “.
وما الفشل إلا هزيمة مؤقتة تخلق لك فرص النجاح.
6- املأ نفسك بالإيمان والأمل: الإيمان بالله أساس كل نجاح وهو النور الذي يضيء لصاحبه الطريق وهو المعيار الحقيقي لاختيار النجاح الحقيقي ..الإيمان يمنحك القوة وهو بداية ونقطة الانطلاق نحو النجاح وهو الوقود الذي يدفعك نحو النجاح ..

والأمل هو الحلم الذي يصنع لنا النجاح ..فرحلة النجاح تبدأ أملاً، ثم مع الجهد يتحقق الأمل.
7- اكتشف مواهبك واستفد منها : لكل إنسان مواهب وقوى داخلية ينبغي العمل على اكتشافها وتنميتها، ومن مواهبنا الإبداع والذكاء والتفكير والاستذكار والذاكرة القوية .. ويمكن العمل على رعاية هذه المواهب والاستفادة منها بدل أن تبقى معطلة في حياتنا.

8- الدراسة متعة .. طريق للنجاح : المرحلة الدراسية من أمتع لحظات الحياة ولا يعرف متعتها إلا من مرّ بها والتحق بغيرها. متعة التعلم لا تضاهيها متعة في الحياة وخصوصاً لو ارتبطت عند صاحبها بالعبادة ، فطالب العلم عابد لله وما أجمل متعة العلم مقروناً بمتعة العبادة .. الدراسة وطلب العلم متعة تنتهي بالنجاح ..وتتحول لمتعة دائمة حين تكلل بالنجاح .
9- الناجحون يثقون دائما في قدرتهم على النجاح : الثقة في النجاح يعني دخولك معركة النجاح منتصراً بنفسية عالية، والذي لا يملك الثقة بالنفس يبدأ معركته منهزماً.

10- النجاح والتفوق = 1% إلهام وخيال + 99%جهد واجتهاد : الإلهام والخيال لا يشكل أكثر من 1% من النجاح بينما الطريق الحقيقي للنجاح هو بذل الجهد والاجتهاد، وإن ما نحصل عليه دون جهد أو ثمن فليس ذي قيمة.
لا تحسبن المجد تمرا أنت آكله * * * لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا

الناظور سيتي